ابن أبي الحديد
363
شرح نهج البلاغة
( 86 ) الأصل : ومن خطبة له عليه السلام : عباد الله إن من حب عباد الله إليه عبدا أعانه الله على نفسه ، فاستشعر الحزن وتجلبب الخوف ، فزهر مصباح الهدى في قلبه ، وأعد القرى ليومه النازل به ، فقرب على نفسه البعيد ، وهون الشديد . نظر فأبصر ، وذكر فاستكثر ، وارتوى من عذب فرات ، سهلت له موارده ، فشرب نهلا ، وسلك سبيلا جددا . قد خلع سرابيل الشهوات ، وتخلى عن الهموم ، إلا هما واحدا انفرد به ، فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى ، وصار من مفاتيح أبواب الهدى ، ومغاليق أبواب الردى . قد أبصر طريقه ، وسلك سبيله ، وعرف مناره ، وقطع غماره ، واستمسك من العرا بأوثقها ، ومن الحبال بأمتنها ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس ، قد نصب نفسه لله سبحانه في أرفع الأمور ، من إصدار كل وارد عليه ، وتصيير كل فرع إلى أصله . مصباح ظلمات ، كشاف عشوات ، مفتاح مبهمات ، دفاع معضلات ، دليل فلوات ، يقول فيفهم ، ويسكت فيسلم . قد أخلص لله فاستخلصه ، فهو من معادن دينه ، وأوتاد أرضه ، قد ألزم